مصطفى صادق الرافعي
172
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ذلك أكبر ما كنا نستعين به أيام الحداثة على اتقاء الغلط والمداخلة والسهو ، وكنا نفزع إليه إذا جلسنا بين يدي فقيهنا - رحمه اللّه - مجلس القراءة ( والتسميع ) . وقد عرفنا أن تأذي سمعه مقرون بأذى عصاه . وكم تواصفنا مع أذكياء الصبيان في ( الكتّاب ) : فما رأينا منهم إلا من ادخر لمحنته من ذلك أشياء « 1 » . لا جرم كان القرآن في نظمه وتركيبه على الأصل الذي أومأنا إليه : نمطا واحدا في القوة والإبداع ، ولا تقع منه على لفظ واحد يخل بطريقته ، ما دامت تنعطف على جانب هذا الكلام الإلهي وما دام في موضعه من النظم والسياق « 2 » فإذا أنت حرفت
--> ( 1 ) نحن نأسف أشد الأسف وأبلغه ، بل أحراه أن يكون هما يعتلج في الصدر ويستوقد في الضلوع ، إذ نرى نشء هذه الأيام قد انصرفوا عن جمع القرآن واستيعابه وإحكامه قراءة وتجويدا . فلا يحفظون منه - إن حفظوا - إلا أجزاء قليلة على أنهم ينسونها بعد ذلك ، ثم يشب أحدهم كما يشب قرن الماعز . . . ينبت على استواء ، ولا يثبت إلا على التواء ، ويخرج وقد عق لغته ، وأنكر قومه ، وانسلخ من جلدته واستهان بدينه ، وخرج من آدابه ، ولا يستحي من ذلك أن يقول ها أنا ذا فاعرفوني ! قد عرفناك - أصلحك اللّه - فهل أنت إلا أدب مسلوب ، ولسان مقلوب ، وضمير مغلوب ، ورأس ارتقى . . حتى أنكر في النسب أعطافه ، وجلدة من جلود العلم ولكن حشوها خرافة . حسبكم أيها القوم حسبكم ، إنما أتيتم من جهل العربية وآدابها ، وإنما جهلتم منذ خلوتم من القرآن ، فإنه العقل والضمير واللسان ، وإنه ما أفلح كاتب عربي قط ( مسلم أو غير مسلم ) بلغ من صنعة البلاغة وشغف بهذه الآداب التي يستمسك بها الأمر كله إلا وقد حفظ القرآن أو أكثره ، وكان مع ذلك لا يدع أن ينظر فيه وأن يتأدب به ويزين لسانه بألفاظه ويصفي طبعه بنظمه ، فإن هو نشأ على غير ذلك فهيهات أن تنفعه في البلاغة نافعة ، وهيهات أن ترسخ له قدم فيها . وما نزعم زعما ، ولكن الدليل حاضر والبرهان شاهد والتاريخ بين أيدينا من لدن نشأت صنعة الكتابة في الإسلام أو في العربية ، فكلاهما شيء واحد . ( 2 ) من أعجب ما اتفق في هذا القرآن من وجوه إعجازه أن معانيه ترى في مناسبة الوضع وإحكام النظم مجرى ألفاظه على ما بيناه من أمرها ، ولا يعد المفكر وجها صحيحا من القول ربط كل كلمة بأختها ، وكل آية بضريبتها ، وكل سورة بما إليها وهو علم عجيب أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره ، وقد قال فيه إن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط . ويقال إن أول من أظهر هذا العلم الشيخ أبو بكر النيسابوري ، وكان غزير المادة في الشريعة والأدب فكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه ؟ وما الحكم في جعل هذه السورة ؟ إلى جنب هذه السورة ثم كان يزري على علماء بغداد لأنهم لا يعلمون هذه المناسبات ، وقال ابن العربي في بعض كتبه : « . . ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة منسقة المعاني منتظمة المباني - علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد وعمل فيه سورة البقرة ، ثم فتح اللّه لنا فيه . فلما لم يجد له حملة ختمناه بيننا وبين اللّه » ا ه - . ورأينا في كشف الظنون أن للإمام برهان الدين بن عمر البقاعي المتوفى سنة 885 ه - . كتابا اسمه ( نظم الدرر في تناسب الآي والسور ) قال : وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد ، جمع فيه أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول ، وكان جل مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض ، وقد ألفه في أربع عشرة سنة .